العودة للخلف

4) الحسن

تاريخ النشر: 21 / 09 / 2026
: 2

الحسن

قال الناظم  رحمه الله :

5- وَالحَسَنُ المعْرُوفُ طُرْقًا وَغَدَتْ

 

رِجَالُهُ لَا كَالصَّحِيْحِ اشْتَهَرَتْ

بعد أن أنهى الكلام على القسم الأول وهو الصحيح وشروطه، انتقل إلى نظيره في الحجية والقبول، وقد اشتمل هذا البيت على النوع المشهور بلقب الحسن. وهو القسم الثاني من أقسام الحديث الذي يُحتج به ويَجب قبوله.

قوله: (والحسن): هو في اللغة ما تميل إليه النفوس. وأما في الاصطلاح فذكر له الناظم  رحمه الله  جملةً من الصفات. وجملةً من الشروط.

إذن الحسَن لقب يُطلق على نوع من الأحاديث إذا اجتمع في هذا الحديث جملة من الشروط. والمقصود بهذا البيت الحسن لذاته. لأن الحسنَ نوعان:

الأول: الحسن لذاته.

الثاني: الحسن لغيره.

والمشهور في حدّ الأول: أنه ما اجتمعت فيه شروط الصحيح إلا أنّ راويه خفيف الضبط فراوي الحسَن ليس كراوي الصحيح في الضبط والحفظ. وسبق معنا: (أنه إذا تعدّدت طرقه بحيث يَنجبر ذلك القصور صار الحديث: صحيحًا لغيره).

والحسن لغيره: هو الحديث الضعيف الذي لم يشتد ضعفه متى ورد من طرق أخرى ضعيفة لكنها غير مطَّرحة بل منجبرة، فإنه يرتفع إلى درجة القبول لغلبة الظنّ. ِ

وفي الأصل مصطلح الحسن كان يُطلق على جملة إطلاقات عند أئمة الجرح والتعديل والمتقدمين من العلماء.

- فربما أطلقوه على ما يُتعجّب منه. يُقال هذا حديث حسَن. يعني يُتعجب من هذه الرواية.

- وربما أُطلق على الضعيف الذي لم يَشتد ضعفه بحيث يكون له جابر. وهذا وجد على لسَان بعض المحدثين في استعمالاتهم.

- ويطلق أيضًا على الغريب، يقولون: أحاديث حسان يعني غرائب أو مشتملة على بعض الفوائد.

_ وكثيرًا ما يُطلقون الصحيح على ما يشمل الحديث الحسن والحديث الصحيح. فإنَّ الصحيح عند العلماء نوعان: الأول منهما هو في أعلى درجات الصحة. ومنه ما هو في أدناها. فيطلقون الصحيح ويريدون به ما هو دون ذلك.

قوله: (المعروف طرقا وغدت رجاله لا كـ الصحيح اشتهرت). (المعروف) اسم مفعول. وقوله (طرقا) هذا تمييز محول عن نائب الفاعل، الأصل: (والحسن) هو الذي عُرفَت طرقُه. والطريق: الإسناد، والإسناد سبق بيانه.

و(طرْقًا) بإسكان الراء. جمع طريق. ويجمع فيقال طرُق لأن فعيل تجمع في الكثرة على فعُل. لكن الناظم اختار التسكين وهو عربي كما في القاموس، طريق يُجمع على طُرْق بالتسكين، وأيضًا مِن أجل أن لا ينكسر البيت.

ومعنى: الطرق هنا: المخرج، أي الرواة، فكلّ راو مخرَج، يخرج منه الحديث.

ذكر الناظم شرطين:

- الأول: المعروف طرقا.

- الثاني: (رجاله) غدت أوصافهم ليست كأوصاف رجال الصحيح السابق.

وهذا الحد يُشبه حدّ الإمام الخطابي أبي سليمان فإنّ الخطابي عرّف الحسن بقوله: ما عرف مخرجه واشتهرت رجاله.

قوله: (والحسن المعروف طرقا). قلنا الأصل: الذي عُرفت طُرقه. وطرق جمع طريق. وما هو الطريق؟ هو الإسناد، والإسناد: حكاية طريق المتن.

ومعنى ذلك: أننا عرَفْنا الرِّجال الذين نقلوا إلينا هذا المتن وكيفية نقلهم لهذا المتن.

وإذا عرفنا كل راو من الرواة فمعناه: أنه ما فيه انقطاع.

إذن شرط الاتصال موجود في قوله (المعروف طرقا) لأنّ هذا يَضمن لنا عدم الانقطاع يعني ما فيه انقطاع ليس بمنقطع ولا معضل ولا مرسل، لأننا عرفنا كل مخرج مِن مخارج هذا الحديث وكل راو من رواة هذا المتن.

فدخل في قوله: (المعروف طرقا) الاتصال، وخرج عن هذه المعرفة الانقطاع في أي موضع كان؛ لأننا حينئذ لم نعرف مخرجه.

وبهذا يَشترك الصحيح والحسن في شرط الاتصال، في الصحيح قال: (أولها الصحيح وهو ما اتصل إسناده)، وفي الحسن قال: (المعروف طرقا).

قوله: (وغدت رجاله لا كـ الصحيح اشتهرت) رجاله: تغليبا والمقصود مطلق الرواة فقد يكون الراوي امرأة. أي (وغدت) رواته رجالا كانوا أو نساء.

هؤلاء الرواة ليسوا كرواة الصحيح شهرة عدالة وضبطًا وحفظًا.

ونحن نَشترط في راوي الصحيح أن يكونَ معتمدًا في ضبطه كما قال: (يرويه عدل ضابط معتمد في ضبطه ونقله).

فرواة الحسن ليسوا كهذه الرتبة. بل أقل من هذا قليلا، ليسوا كالشهرة والرتبة كرواة الصحيح. لكن روايتهم في حيِّز القبول، وهذا مفهوم بوضوح من قوله (لا كالصحيح اشتهرت). هذا ظاهر جدًّا.

ولا يُقال في مَن يُرد حديثه: مثل هذه العبارة، وإنما المراد أنهم لم يبلُغوا تلك الرتبة العليَّة التي تبوّأَها راوي الحديث الصحيح وإنْ كان يَشركُه في مطلق الثقة والقبول.

إذن هذا الشرط الثانـي: نشترط في الحسن أن يكون راويه في حيز القبول إلا أنه لم يَصِل في الضبط والإتقان والعدالة رتبة راوي الصحيح وإلا كان هو هو.

واستفدنا من قوله: (المعروف طرقا) (رجاله) مثل ما استفدنا من قوله الناظم في قسم الصحيح (عن مثله) يعني لابد أن يكون كذلك في جميع طباقه، متصلًا برواية مَن يقبل حديثه.

ومن قواعد هذا العلم: أنّ الأقل يَقضي على الأكثر. بمعنى لو كان سند الحديث سداسيًا وأربعة منهم ثقات وواحد حسن الحديث: فالحديث حسَن.

إذن شروط الحسن التي تضمنها النظم -على ما قررناه-:

- اتصال السند.

- أن يكون جميع رجاله ممن يحتج به ويُقبل حديثه لكن راوي الحسن ليس كراوي الصحيح في الشهرة وتمام الضبط بل أقل منه.

- أن يكون الأمر كذلك في جميع طبقات الإسناد ما فيه انقطاع، ولا راو ضعيف.

وهل يُشترط في الحسن عدم الشذوذ والعلة؟.

الجواب: نعم هذان شرطان أيضًا في الحديث الحسن، ونستفيده من النظم من كون الناظم جعل الصحيح والحسن في رتبة واحدة وهي رتبة الاحتجاج والقبول. لأنه غاير بينها وبين رتبة المردود. فإنه قال: (وكل ما عن رتبة الحسن قصر) فجعل ما قصر عن رتبة الحسن ضعيفًا غير مقبول.

ونحن قد شرطنا للقبول في حدِّ الحديث الصحيح: عدم الشذوذ والعلة. فأغنى عن إعادته في النظم في حدِّ الحسن.

فلا يُمكن أن نقبل ولا نستدل: بالحديث الشاذ، ولا بالحديث المنكر، ولا بالحديث المعل بعلة قادحة. لأنه غير مقبول.

وعلى هذا فالحَسَنُ لِذَاتِه: هو الحديثُ الذي اتصل سندُه بنقل عَدْلٍ خَفَّ ضبطُه ولم يكنْ شاذًّا ولا مُعَلَّلًا. فهو كالصحيح، والفرق خفة ضبط راويه. لقوله: (رجاله لا كالصحيح اشتهرت).

أما حكم الحديث الحسن: فهو وجوب قبوله وامتثال ما فيه واعتقاد ما يدل عليه سواء في الأحكام أو الإلهيات، لأنه حجة مطلقًا.

مثاله: ما أخرجه الترمذي: حدثنا أحمد بن منيع حدثنا الحسن بن سوار أخبرنا ليث بن سعد عن معاوية بن صالح أن عبد الرحمن بن جبير بن نفير حدثه عن أبيه عن كعب بن عياض قال: سمعت النبي ﷺ يقول «إن لكل أمة فتنة وفتنة أمتي المال».

قال شيخُنا في الجامع (42): حديثٌ حسن. (الحسن ومعاوية: كلاهما صدوق).

جميع الحقوق محفوظة © موقع الشيخ ابي محمد عبدالله بن لمح الخولاني - 2026
تم النسخ بنجاح